النويري
140
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولم يزل اللَّه بالعائدات على من يعود [ 1 ] بها عائدا أيا جامع المال وفّرته لغيرك إذ لم تكن خالدا ! فإن قلت أجمعه للبنين فقد يسبق الولد الوالدا وإن قلت أخشى صروف الزمان فكن في تصاريفه واحدا فاجعل يومك أسعد من أمسك ، وصلاح الناس عندك كصلاح نفسك . ومل إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف ، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف ، تجدهم كنزا في شدائدك ، وحرزا في نوائبك . احذر دعوة المظلوم وتوقّها ، ورقّ لها إن واجهك بها ، ولا تبعثك العزّة على البطش فتزداد ببطشك ظلما ، وبعزتك بغيا . وحسبك بمنصور عليك اللَّه ناصره منك . كن عن الشهوات [ 2 ] عزوفا تنفكّ من أسرها ، فإنّ من قهرته الشهوة كان لها عبدا ، ومن استعبدته ذلّ بها . وقد روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لها عن الشهوات » . وقيل لبعض حكماء الروم : ما الملك الأعظم ؟ قال : أن يغلب الإنسان شهوته . وكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته ؛ فإنّ الاغترار به مرد . وقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته ، فلن تجد إلا ما قدّمته ؛ وإنك لتجازى بما صنعت . واستقلّ الدنيا تجد في نفسك عزّا ، فترضى إذا سخطت ، وتسرّ إذا حزنت ؛ فلن يذلّ إلا طالبها ، ولن يحزن إلا صاحبها . فقد قال بعض الحكماء : ليكن طلبك الدنيا اضطرارا ،
--> [ 1 ] في قوانين الوزارة : « على من يجود بها عائدا » . [ 2 ] في الأصل وقوانين الوزارة : « كن للشهوات عزوفا » وعزف وما اشتق منه يتعدى إلى المعمول بالحرف « عن » .